تــــــاريخ

أم البنين عليها السلام

اسمها فاطمة بنت حزام بن خالد بن ربيعة الكلابية وقد كانت من أشرف وأشجع وأنهد بيوت العرب قاطبةً بعد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأهل بيته.

فبعد انتقال الزهراء عليها السلام بفترةٍ طويلة رغب الإمام علي في الزواج من امرأة ذات حسب رفيع ونسب منيع حتى تنجب له فارسا يسند ريحانتي الرسول الحسن والحسين عليهما سلام الله فطلب أمير المؤمنين عليه السلام من أخيه سيدنا عقيل بن أبي طالب عليه السلام أن يختار له امرأةً يتزوجها لأن عقيلا كان متبحرا بالأنساب .

فقال له الإمام عليه السلام أنظر لي امرأةً قد ولدتها الفحولة من العرب لأتزوجها فتلد لي غلاما فارساً, فقال فورا ومن دون تردد تزوج فاطمة الكلابية فإنه ليس في العرب أشجع من آبائها فتزوجها. وهذا دليل على شهرتها وسمو نسبها وبيتها الرفيع الباذخ في الشرف, فذهب عقيل رضوان الله عليه إلى بيت أبيها العظيم وأقام عنده ثلاثة أيام ولم يسأل أبوها عقيلا عن شيء وذلك من كرم الضيافة وشيم العرب الرفيعة, وفي اليوم الرابع سأله حزام بكل أدب وإجلال وتعظيم "هل لك من حاجة فتقضى أو ملمة فتمضى من مال أو رجال فنحن رهن إشارتكم" فقال عقيل جئتك بالشرف الشامخ والمجد الباذخ فقال حزام  وما هو يابن عم رسول الله فرد عقيل جئتك خاطباً فقال حزام من لمن؟؟

قال عقيل أخطب ابنتك فاطمة إلى يعسوب الدين والحق واليقين وقائد الغر المحجلين وسيد الوصيين أمير المؤمنين علي بن أبي طالب, لم يصدق حزام بن خالد على الرغم من أنه من أشرف بيوت العرب وأشجعها, فلما سمع حزام الكلام هش وبش (فرح فرحا عظيما واستبشر)  وقال بخٍ بخٍ بهذا النسب الشريف والحسب المنيف والمجد المنيع بمصاهرة ابن عم رسول الله بطل الإسلام وقاسم الجنة والنار فقال حزام ولكن بيت أمير المؤمنين هو مهبط الوحي ومعدن الرسالة ومختلف الملائكة ومقامه رفيع وابنتي قد تربت في البادية وأخاف ألا ترقى إلى مقام أمير المؤمنين عليه السلام فهي له خادمة فقال عقيل بل زوج’, فاقترح حزام أن يكلمها ليختبرها وهل تصلح لمقام أمير المؤمنين عليه السلام, ذهب إلى ابنته الطاهرة ليختبرها فوجد أمها تمشط شعرها وكانت تحكي لأمها عن رؤيا عظيمة رأتها وقد أخذ أبوها يستمع لحديثهما, ومختصر الرؤيا أنها حكت لأمها أنها كانت تتأمل في السماء وقالت كنت أتأمل في ملكوت الله وكيف رفع السماء بلا عمد وأنار الكواكب والنجوم فسقط في حجري قمرٌ يتلألأ نوراً يغشى الأبصار ثم تلاه ثلاثة نجوم زواهر فقالت فإذا بهاتف قد هتف بي وأسمع صوته ولا أراه فهتف يقول بشراك فاطمة بالسادة الغرر ثلاثة أنجم والزاهر القمر أبوهم سيدٌ في الخلق قاطبة.

ففرح أبوها فرحا عظيما, قال لها قد صدقت رؤياك وقال لأمها جاء عقيل يخطب ابنتك لفلاّل الكتائب ومظهرالعجائب وسهم الله الصائب وفارس المشارق والمغارب الإمام علي عليه السلام, فلم تتمالك أمها نفسها من الفرح, وكان وقع البشارة عليها وعلى أمها عظيما عظيما, وعندما سأل حزام زوجته هل تصلح فاطمة ابنته زوجا لأمير المؤمنين عليه السلام فأخبرته أنها ربتها أعظم تربية على الخلق الإيماني الرفيع وجميع مكارم الأخلاق, فعندها سأله عقيل عن المهر فقال حزام هي خادمة لأمير المؤمنين فقال عقيل بل زوجة ومهرها على سنة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم.

فتم هذا الزواج المبارك العظيم والمقدس وأنجبت له أربعة أسود أعظمهم سيدنا العباس عليه السلام قمر بني هاشم وسقّاء عطاشى كربلاء, وكان الإمام يناديها بإسمها فاطمة, فقالت يوما, لي إليك حاجة فقال قولي ماعندك؟ فقالت عندما تناديني بإسمي فإني أرى الإنكسار باديا على وجوه الحسن والحسين وزينب ويذكرون أمهم الزهراء عليها السلام فأريدك أن تغير اسمي فكان الإمام يدعوها أم البنين وكانت تقدم أبناء الزهراء عليها السلام على أبنائها وتداريهم أكثر من عيالها لدرجة أنها تقدمهم في كل شيء.

وعندما قرر سيدنا الحسين عليه السلام الذهاب إلى كربلاء قدمت أولادها جميعا تحت أمر أبا عبدالله ولم تستبقِ أحدا منهم وكانت توصيهم بالإستشهاد دون أخيهم... وتوصيهم على الحسين عليه السلام وتشدد عليهم بأن يحرصوا عليه, وعندما حدثت مجزرة كربلاء برز الأسود الأبطال وكانوا كما تنبأ بهم الإمام عليه السلام يردون الكتائب وجيش الكفار عن أخيهم رغم قلتهم وعطشهم فصالوا صولات الأبطال وجالوا في ميدان المعركة يكرون كر الفوارس الأشاوس حتى استشهدوا واحدا تلو الآخر أمام أخيهم الحسين وكان آخرهم العباس عليه السلام الذي هجم على أربعة آلاف وفرقهم من على النهر.

وكانت أم البنين ترقب الأخبار في المدينة صابرةً محتسبةً  وكان الحسين عليه السلام يشغلها أكثر من أولادها وعندها قدم الناعي بشر بن حذلم إلى المدينة ينعى شهداء كربلاء فتلقاه الناس وجاءته أم البنين ملهوفة يكاد يتقطع قلبها على الحسين وأولادها فسألت بشرا ما فعل ابني الحسين عليه السلام فتفاجأ كيف تقدمه على أبنائها فأخبرها بإستشهاد ابنها جعفر فردت ما فعل ابني الحسين فلم يصدق وظن أنها تحت وقع الصدمة فأخبرها بإستشهاد عبدالله فقالت ما فعل ابني الحسين فأخبرها بإستشهاد ابنها الثالث عثمان فسألت عن الحسين عليه السلام مرةً أخرى فأخبرها باستشهاد ابنها العباس عليه السلام فاضطربت اضطرابا عظيماً ولكنها ثبتت وقالت له  قطعت نياط قلبي ماذا فعل ابني الحسين أخبرني فلما أخبرها بإستشهاد الإمام الحسين عليه السلام انهارت تماما وصرخت صرختها التي خلدها التاريخ واحسيناه واحبيب قلباه.

وضجت المدينة بالبكاء والعويل على هذا المصاب الجلل العظيم الذي تتفطر منه السموات والأرض بكت لبكاء هذه العظيمة الأرض والسماء والناس والمدائن وكانت ترثيهم وتبكي الشهداء.

وقد توفيت في الثالث عشر من جمادى الثانية سنة ٦٤ هجرية.

tahnoon logo 02 03

كاتب وروائي

ناشط وناقد إجتماعي

القائمة البريدية :

لتكون على اطلاع دائم بكل ما هو جديد لدينا أدخل بريدك هنا

عدد الزوار :

287811
Today
Yesterday
This Week
Last Week
This Month
Last Month
All days
51
801
2403
277580
53990
43605
287811

Your IP: 54.92.128.223
2017-07-26 00:46